top of page

إعادة التفكير في بيئات التعلم

16 سبتمبر
4 دقيقة قراءة

لطالما آمنت بأن من أكثر الأخطاء شيوعاً أن نحكم على ما يحبه الأطفال قبل أن نحاول فهمه. ربما لأنني عشت بنفسي تجربة أن تُرفض بعض اهتماماتي في طفولتي، قبل أن يتوقف أحد ليسأل: ما الذي جذبها إلى هذا أصلاً؟ ومنذ ذلك الوقت، وعدت نفسي ألا أكرر الشيء نفسه مع أطفالي. بل أمنحهم مساحة يكتشفون فيها ما يحبون، طالما كان ذلك لا يضرهم أو يضر غيرهم، مؤمنةً بأن وراء كل شغف حكاية لا تظهر من النظرة الأولى، وأن الفهم ينبغي أن يسبق الحكم.

لهذا حين بدأ أطفالي يقضون وقتاً طويلاً في Roblox لم يكن سؤالي الأول: كيف أجعلهم يتوقفون؟ بل: ما الذي يرونه هناك ولا أراه أنا؟ ثم جاء يوم أصّر فيه ابني الصغير أن ألعب معه، وأن يعلّمني اللعبة بنفسه. دخلت وأنا أظن أنني سأقضي بعض الوقت في لعبة للأطفال، لكنني خرجت وأنا أفكر في شيء آخر تماماً: في تصميم التجربة نفسها.

في البداية، بدا لي Roblox مجرد منصة تضم عدداً هائلاً من الألعاب. لكن سرعان ما بدأت ألاحظ أن ما يجذب الطفل ليس محتوى اللعبة نفسها ولا الرغبة بالفوز ولا حتى تحقيق الهدف الذي يحاول الوصول إليه. هناك شيء أعمق من كل ذلك، يكمن في الطريقة التي صُمِّم بها عالم روبلوكس نفسه؛ عالم ثلاثي الأبعاد لا يكتفي بأن يعرض نفسه عليك، بل يدعوك إلى أن تتحرك داخله. تقترب، تبتعد، تصعد، تهبط، وتعود لترى الشيء نفسه من مكان آخر، فيبدو لك وكأنك تراه للمرة الأولى!

في إحدى الألعاب، كان الهدف بسيطاً: البحث عن أزرار ملونة مخبأة داخل مطبخ. لكن المطبخ لم يكن مجرد مطبخ. حين كان اللاعب بالحجم العادي، كانت كل الأشياء تبدو طبيعية، الطاولة تبدو كطاولة، والمغسلة كمغسلة، والرف مجرد رف. ثم تغيّر الحجم، وفجأة صار الرف طريقاً ممتداً، وأصبحت المغسلة بحراً صغيراً يمكن السباحة فيه بين الصحون، وتحولت المسافات المألوفة إلى تضاريس جديدة تماماً. المكان نفسه لم يتغير. الذي تغير هو البعد الذي أصبحت ترى منه الشي نفسه.

وحين تصعد بعد ذلك إلى أعلى الرف الذي بدا قبل لحظات كجدار مرتفع، تكتشف أنه لم يكن جداراً أصلاً، بل سطحاً مستوياً يمكنك أن تمشي فوقه. الشيء نفسه، لكن التجربة تتبدل بالكامل باختلاف الموضع الذي نراه منه.

وهنا فهمت شيئاً. ربما لا يقضي الأطفال ساعات في مثل هذه العوالم لأنهم يريدون الفوز فقط. ربما ما يأسرهم هو فعل الاكتشاف نفسه. هم لا يتلقون محتوى جاهز من الخارج، بل يدخلون إلى عالم، ويتحركون فيه، ويختبرونه، ويجربون حدوده، ويرونه من جديد مع كل خطوة.

ومن هنا بدأ سؤال آخر يظهر: إذا كانت بيئة مصممة بهذه الطريقة قادرة على إبقاء الطفل منخرطاً لساعات، لا بالقوة ولا بالتلقين، بل بدافع الفضول والاستكشاف وحدهما، فلماذا ما زالت كثير من بيئاتنا التعليمية تُبنى على صفحات ثابتة، ومسار واحد، وطريقة واحدة لرؤية المعرفة؟

ربما ليست المشكلة دائماً في أن الأطفال فقدوا القدرة على التركيز. وربما ليس السؤال الحقيقي: كيف نجعلهم ينتبهون أكثر؟ بل: هل صممنا أصلًا شيئاً يستحق أن ينتبهوا إليه؟

نحن نتحدث كثيراً عن تطوير المحتوى، وإثراء المناهج، وإضافة الأنشطة، وصناعة مزيد من الألعاب التعليمية. لكن ربما يكون السؤال الأعمق في مكان آخر: ماذا لو لم يكن المستقبل في إنتاج المزيد من المحتوى التعليمي؟ بل في ابتكارعوالم تعليمية جديدة.

عوالم يصبح فيها المنهج رحلة، وتصبح المفاهيم أماكن يمكن الدخول إليها، ويصبح التعلم فعل استكشاف، لا مجرد انتقال من صفحة إلى أخرى. أن يرى الطفل المفهوم من الداخل، وأن يغيّر موقعه بالنسبة إليه، وأن يجرّبه، وأن يخطئ فيه، وأن يعود إليه من زاوية أخرى، حتى لا يتعلم المعلومة فقط، بل يعيشها.

وحين نتأمل هذه الفكرة بعمق، ندرك أنها ربما لا تنطبق على التعليم وحده، بل تمتد إلى تجربة الحياة كلها. وكأن الحياة نفسها مصممة، بطريقة ما، كعالم تعليمي هائل؛ لا تُمنح فيه المعرفة جاهزة، بل نصل إليها بالحركة والتجربة، ويقودنا فيها الفضول إلى الاكتشاف، كما لو أن التعلم ليس شيئاً يحدث داخل الحياة، بل أحد الأشكال التي تتكشف بها الحياة نفسها.

ونحن في هذا العالم، نفعل شيئاً يشبه ما يفعله لاعب روبلوكس. نرى الأشخاص والأحداث والتجارب أولاً من زاوية واحدة، فتبدو كما لو كانت أشياء ثابتة ومستقلة، ثم نكتشف كلما تغيرت زاوية إدراكنا الداخلي، أن الشيء نفسه يمكن أن يظهر لنا بصورة مختلفة تماماً.

كما يتغير المطبخ حين يراه الطفل من الأرض، ثم من أعلى الطاولة، ثم من داخل المغسلة، ربما تتغير رؤيتنا للحياة كلما اتسع وعينا وتطور إدراكنا الداخلي، ليس بالضرورة لأن الحقيقة قد تبدلت، بل لأن البعد الذي أصبحنا نراها منه قد تغيّر.

وربما هنا تكمن إحدى أعمق إمكانات بيئات التعلم الافتراضية. فالقيمة ليست فقط في أن نطور عرض المحتوى ليصبح أكثر جاذبية، ولا أن نحول الدرس إلى تجربة ثلاثية الأبعاد، بل في أن نصمم بيئة تسمح للمتعلم بأن يغيّر موقعه من المعرفة نفسها؛ أن يراها من أكثر من مستوى، وأن يقترب من تفاصيلها، ثم يبتعد ليرى علاقتها بالصورة الأكبر، وأن يكتشف كيف يتغير فهمه كلما تغيرت زاوية النظر.

بهذا المعنى، لا تعود البيئة مجرد وعاء نضع داخله المحتوى، بل تصبح جزءاً من عملية التفكير ذاتها. فهي لا تحدد فقط ما الذي يراه المتعلم، بل ما الذي يستطيع أن يستكشفه، والمسارات التي يمكن أن يسلكها، والعلاقات التي يمكن أن يكتشفها بنفسه. وقد تكون قوة البيئة تحديداً في أنها لا تمنح الإجابة دائماً، بل ترتب الإمكانات بطريقة تجعل الوصول إليها بنفسه ممكناً.

وهنا يختلف تصميم عالم للتعلم عن مجرد تصميم واجهة للتعليم. فالواجهة قد تقدم المعلومة بصورة أجمل أو أكثر تفاعلية، أما العالم فيمنح المتعلم موضعًا داخله، ومساحة للحركة، وحرية في التجربة، وإمكانية لأن تتكشف المعرفة تدريجياً نتيجة ما يفعله هو، لا فقط نتيجة ما نعرضه عليه.

وربما لهذا تكون المعرفة التي نصل إليها بأنفسنا مختلفة في طبيعتها عن المعرفة التي تُسلَّم إلينا مكتملة. ففي الأولى، لا نحصل على الإجابة فقط؛ بل نبني الطريق الذي أوصلنا إليها. نصنع روابط، ونختبر فرضيات، ونخطئ، ونعيد النظر، ثم نرى الشيء بصورة لم تكن متاحة لنا قبل التجربة.

وهذا ربما يعيد صياغة السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه عند تصميم بيئات التعلم الافتراضية. ليس فقط: ماذا نريد أن نعلّم؟ ولا حتى: كيف نجعل هذا المحتوى أكثر تفاعلية؟ بل: ما نوع العالم الذي نحتاج إلى بنائه لكي يصبح الاكتشاف ممكنًا؟ وما الحركات، والزوايا، والتجارب التي يمكن أن تقود المتعلم إلى أن يرى الفكرة بنفسه؟

ربما يكون مستقبل التعليم أقل ارتباطًا بإيصال المعرفة، وأكثر ارتباطًا بتصميم الظروف التي تسمح لها بأن تُكتشف.

بيئات توقظ الفضول، وتمنح المتعلم حرية الحركة بين مستويات الفكرة، وتسمح له بأن يقترب ويبتعد، ويجرب ويخطئ، ويعيد النظر، حتى لا تصبح المعرفة شيئًا يمر أمامه، بل تجربة يتحرك داخلها، وتتغير رؤيته كلما تغيّر موضعه منها.


 
 
bottom of page