التقليلة في التعليم
تاريخ التحديث: 27 يوليو
إعادة التفكير في معنى التعلم

ارتبط التقدم في كثير من تصوراتنا بفكرة الإضافة. نضيف معرفة لنصبح أكثر علماً، ونضيف مهارات لنصبح أكثر كفاءة، ونضيف أدوات لنصبح أكثر قدرة على الإنجاز.
وانعكس هذا التصور على أنظمتنا التعليمية، فأصبحت جودة التعليم تقاس غالباً بما يضيفه إلى المتعلم، لا بما يفسح له المجال لاكتشافه.
لكن ماذا لو كان هذا التصور ناقصاً؟
ماذا لو لم يكن السؤال الأهم: ماذا ينبغي أن نضيف؟ بل: ما الذي ينبغي أن نفسح له مكاناً؟
أرى أن كثيرًا من أكثر الأفكار أصالة لا تولد في لحظات الامتلاء، بل في لحظات السعة حين يهدأ تدفق المُدخلات الحسية، ويتراجع الضجيج، ويجد الإنسان مساحة كافية للتأمل، وربط ما يعرفه بما يعيشه.
ولعل هذا ما يجعلنا نعيد النظر في مفهوم التعلم نفسه.
فالتعلم ليس مجرد تراكم للمعلومات، كما أن الإنسان ليس وعاء يقاس نموه بما يملأ به.
إن اختزال التعليم في الإضافة المستمرة قد يحجب وظيفة أكثر عمقاً: تهيئة الظروف التي تسمح للأسئلة أن تتكون، وللفضول أن يستيقظ، وللقدرات الكامنة أن تجد طريقها إلى الظهور.
من هذا المنطلق، لا تبدو "التقليلة" دعوة إلى تقليل المعرفة، ولا إلى تقليل الطموح، ولا إلى التقشف الفكري.
إنها دعوة إلى تقليل كل ما يزاحم عملية التعلم الحقيقية؛ ذلك الامتلاء المستمر الذي لا يترك للإنسان وقتاً ليفكر، أو يتأمل، أو يكتشف، أو يصغي إلى ما يتشكل في داخله.
ولعلنا لا نفتقر اليوم إلى المعرفة بقدر ما نفتقر إلى المساحة التي تسمح لهذه المعرفة بأن تتحول إلى فهم.
فالأسئلة العميقة تحتاج إلى وقت لتتكون، والأفكار الجديدة تحتاج إلى فراغ تنمو فيه، والإنسان يحتاج بين الحين والآخر إلى أن يتوقف عن إضافة المزيد حتى يرى بوضوح ما هو موجود بالفعل.
ربما لا يكون التحدي الأكبر في التعليم هو أن نعرف كيف نضيف أكثر.
بل أن نتعلم كيف نترك مساحة كافية ليولد ما لم يكن بالإمكان أن يولد وسط الامتلاء.
ولعل هذا يقودنا إلى سؤال يستحق التأمل:
إذا كان هدفنا بناء تعليم أكثر إنسانية، فربما تكون البداية بالسؤال الأكثر جوهرية:
من هو الإنسان الذي نحاول أن نعلمه؟


