المسطرة التي لا نراها
- 8 يوليو
- 2 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 27 يوليو
إعادة التفكير في معايير القياس في التعليم

من النادر أن نتساءل عن الأدوات التي نقيس بها البشر. ليس لأنها مثالية، بل لأنها أصبحت مألوفة إلى درجة أننا لم نعد نراها.
فعندما يختلف طالب عن زملائه، نسأل كيف نساعده على اللحاق بهم. وعندما يتأخر طفل في اكتساب مهارة معينة، نسأل كيف نجعله يصل إلى المستوى المتوقع. وعندما يختار إنسان طريقاً مختلفاً، نتساءل لماذا لم يفعل ما يفعله الآخرون.
وراء كل هذه الأسئلة افتراض خفي يقول إن هناك معيار واحد ينبغي أن يقترب منه الجميع.
هذه هي "المسطرة التي لا نراها". ليست أداة مادية، بل إطار ذهني تشكل عبر الزمن، وأصبح حاضر في التعليم، والعمل، والتربية، وحتى في تصوراتنا عن النجاح.
وحين تصبح هذه المسطرة غير مرئية، نتوقف عن مساءلتها. فنبدأ بتفسير الاختلاف بوصفه نقصاً، بدلاً من أن نتساءل إن كانت أداة القياس نفسها هي التي تستحق اعادة النظر.
ولا يعني ذلك أن القياس في حد ذاته غير مهم. فالقياس ضرورة في كثير من السياقات. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا نقيس؟ وهل تستطيع المسطرة نفسها أن تقيس ما ينبغي قياسه لدى جميع البشر؟
إذا انطلقنا من أن لكل إنسان فرادته، فإن المقارنة المستمرة بمعيار واحد تصبح أكثر تعقيداً. فما يبدو تأخراً في سياق معين، قد يكون بداية لتفوق في سياق آخر. وما يبدو ضعفاً وفق معيار واحد، قد يُخفي قدرة لم تُصمم تلك المسطرة لرؤيتها أصلا.
ولعل كثيرا من الإمكانات الإنسانية لا تضيع لأنها غير موجودة، بل لأنها تقع خارج حدود ما اعتدنا قياسه.
ولهذا، فإن إعادة التفكير في التعليم لا تبدأ دائما بتغيير المناهج أو الأدوات. بل قد تبدأ بسؤال أكثر هدوءاً: هل نقيس الشيء الصحيح؟
فربما لا يكون الاختلاف هو المشكلة. وربما تكون المشكلة أننا ما زلنا نبحث عن إنسان واحد، بينما يخبرنا الواقع، في كل يوم، أن البشر لم يخلقوا ليكونوا نسخاً من بعضهم.
ولعل هذا يدعونا إلى سؤال آخر...
إذا كانت المسطرة الواحدة لا تستطيع أن ترى فرادة الجميع، فكيف نفهم اختلاف البشر أصلا؟


